جوانب من عبقرية المغفور له الحسن الثاني طيب الله ثراه
ومساهمته في ملحمة الكفاح من أجل الاستقلال.
كانت ولادة الأمير مولاي الحسن في التاسع من شهر يوليوز سنة 1929 بعد سنتين من تربع والده المنعم المغفور له محمد الخامس طيب الله ثراه على عرش المغرب، وقد حرص جلالة السلطان اشد الحرص على تربية ابنه تربية إسلامية قويمة وتعليمه التعليم الجامع الأمثل، فلم يكن يدع فرصة تفوت أو مناسبة تمر دون أن يجتمع بأساتذته ويناقشهم في أمور تربوية وتعليمية تهم مستقبله، بل كان يقوم بأكثر من ذلك، فيخطط البرامج معهم ويعد المقررات ويحذف مواد ويضيف أخرى. كما كان طيب الله ثراه يحرص على أن يكون زملائه في الدراسة نخبة ممتازة خلقا وجدا واجتهادا، يختارون من جميع أنحاء المملكة، ومن مختلف طبقات الشعب غنيها و فقيرها. كما كان يطلب في كل مناسبة وبصرامة من أساتذته ومربيه أن يعاملوه داخل المدرسة كتلميذ، وأن ينادوه باسمه المجرد" الحسن بن محمد" ، لا فرق بينه وبين رفقائه، إلا بما أتاه أو قام به من عمل صالح أو جهد واجتهاد وتفوق. وفي هذا الصدد يقول المغفور له الحسن الثاني في كتابه ذاكرة ملك : " كان والدي يحرص أن أعيش كسائر المواطنين، لقد قضيت عطلي في شواطئ الرباط والدار البيضاء ، حيث كنت ألعب كرة القدم، وأغلب الظن عندي أن ذلك هو ما أتاح لي أن أعايش أناسا أصبحوا بعد ذلك نزلاء سجون الحماية، ثم أساتذة جامعيين، وأذكر عن تلك الحقبة أن فرنسيين خاطبوني بصيغة المفرد في مناسبات عديدة، كما وصفوني بغبي ورموني بلفظ "بيكو " ولد آلمني ذل،ك لا بوصفي أميرا ولكنه خدشني في وطنيتي، لقد كان ذلك جرحا عميقا لا يحتمل ".
وكان الأمير مولاي الحسن يعمل جاهدا لإرضاء والده، فيواظب على أداء الصلوات الخمس في وقتها، ويداوم على حفظ سور القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة، ويقبل على جميع العلوم والفنون، وكان مؤثرا وجذابا بلباقته ونضجه وبعد نظره، كما أثبت حيويته أثناء مزاولة الألعاب ذات الطابع الفكري التي كانت تنظمها إدارة المدرسة، إذ كان يشارك بجميع إمكاناته. ولم يكن في أي وقت ولا مناسبة يقوم بما يدفع أصدقائه إلى الاعتقاد بان صفته كأمير تعطيه ميزة خاصة.
لقد تلقى الأمير الصغير مرات عديدة عقابه من والده، عندما تكون هناك عثرات في الدراسة وفي هذا السياق يقول تغمده الله بواسع رحمته في كتابه ذاكرة ملك: " ذات يوم لم أتقن عملي، واستدعاني والدي إلى غرفته، كان يرتدي ثيابه استعداد لأداء صلاة الجمعة ، لقد فاجئني بهذا السؤال : ألا ترضى أن يتفوق عليك شخص آخر في كل شيء " فأجبت " بكل أوثر أن لا يحدث ذلك " فقال بلى إذا تعلق الأمر بابنك " وأضاف والدي : عليك أن تعلم أنني أجد أن أكون الأفضل ، لكني سأكون أسعد الناس حينما تصبح أفضل مني " .
لقد كان المغفور له محمد الخامس طيب الله ثراه يهيئ نجله لدور هام جدا. لهذه الغاية، كان يستدعيه لحضور مجالس واجتماعات مع كبار رجالات الدولة، ويعرض على نظره بين الفنية والأخرى قضايا سياسية ليبدي رأيه السديد فيها، ويطلعه على أسرار الحكم ليكون على بنية من جميع أبعادها، ويصحبه معه في جل رحلاته وأسفاره ويشركه في تحرير الرسائل والمذكرات الرسمية الموجهة إلى ملوك ورؤساء الدول وحكوماتها.
كان أول حدث تاريخي هام شارك فيها المغفور له الحسن الثاني أكرم الله مثواه، وسنه لا يتجاوز الرابعة عشرة، هو لقاء آنفا في يناير 1943 والذي ضم رؤساء ثلاث دول عظمى: فرانكلينروزفليت رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، وينستونتشرشل الوزير الأول البريطاني والجنرال دوكول، ورغم حداثة سنه، فقد كان الأمير يقدر المناسبة حق قدرها ويشعر بأهمي
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ